ابن أبي الحديد
90
شرح نهج البلاغة
من خلفهم ، وقد فسر ذلك بقوله : كيما يكون لكم ردءا ، والردء : العون ، قال الله تعالى : ( فأرسله معي ردءا يصدقني ) ( 1 ) . ودونكم مردا ، أي حاجزا بينكم وبين العدو . ثم أمرهم بأن يكون مقاتلتهم - بفتح التاء ، وهي مصدر " قاتل " - من وجه واحد أو اثنين ، أي لا تتفرقوا ، ولا يكن قتالكم العدو في جهات متشعبة ، فإن ذلك أدعى إلى الوهن ، واجتماعكم أدعى إلى الظفر ، ثم أمرهم أن يجعلوا رقباء في صياصي الجبال . وصياصي الجبال : أعاليها وما جرى مجرى الحصون منها ، وأصل الصياصي القرون ، ثم استعير ذلك للحصون لأنه يمتنع بها كما يمتنع ذو القرن بقرنه ، ومناكب الهضاب : أعاليها ، لئلا يأتيكم العدو إما من حيث تأمنون ، أو من حيث تخافون . قوله عليه السلام : " مقدمة القوم عيونهم " ، المقدمة ، بكسر الدال ، وهم الذين يتقدمون الجيش ، أصله مقدمة القوم ، أي الفرقة المتقدمة . والطلائع : طائفة من الجيش تبعث ليعلم منها أحوال العدو . وقال عليه السلام : المقدمة عيون الجيش . والطلائع عيون المقدمة ، فالطلائع إذا عيون الجيش . ثم نهاهم عن التفرق ، وأمرهم أن ينزلوا جميعا ويرحلوا جميعا ، لئلا يفجأهم العدو بغتة على غير تعبية واجتماع ، فيستأصلهم ، ثم أمرهم أن يجعلوا الرماح كفة إذا غشيهم الليل ، والكاف مكسورة ، أي اجعلوها مستديرة حولكم كالدائرة ، وكل ما استدار كفة بالكسر نحو كفة الميزان ، وكل ما استطال كفة بالضم نحو : كفة الثوب وهي حاشيته ، وكفة الرمل ، وهو ما كان منه كالحبل . ثم نهاهم عن النوم إلا غرارا أو مضمضة ، وكلا اللفظتين ما قل من النوم .
--> ( 1 ) سورة القصص 34 .